لفت نظر ورجاء
نود توجيه عناية القارئ الكريم إلى إن معظم ما ورد في هذا الفصل هي مواضيع لم يسبق بحثها في أي بحث أو كتاب سابق ، وانما هي أبحاث وأفكار جديدة ، يتطرق لها الباحث أول مرة ويضعها أمام أصحاب القرار والمصلحة من رجال السياسة أو الأعمال للاستفادة منها في المستقبل ، وفي ظل أية حكومة تريد أن تنهض بالمستوى الاقتصادي للعراق ككل ولمحافظة البصرة بشكل خاص .
إن ما تم التحدث عنه يرجى أن لا ينظر إليه بأنه تعصب من الباحث إلى مدينة البصرة ، ولكنه خص البصرة بهذا البحث الذي قد ينطبق معظمه على كل محافظات العراق الأخرى ، بل يكون مناسباً ايضاً حتى للدول المجاورة ، وقد كتب وما زال يكتب أبحاثاً هندسية واقتصادية حول محافظات أخرى ، وعن العراق ككل ، والمنطقة العربية والإسلامية بشكل عام لان الجسد إذا اشتكى جزء منه بالمرض تداعى له باقي الجسد بالسهر والحمى . ولكنه قدم البصرة هنا لانه يعلم من وضعها اكثر مما يعرفه عن بقية المحافظات ، ولان ذلك يعتبره بعض من الولاء والوفاء للام التي احتضنته وعاش ودرس وعمل بين أحضانها .
إن ما ورد في هذا البحث ليس مجرد أمور نظرية أكاديمية ، فالباحث ليس رجل اقتصاد أكاديمي ، وانما هو يبحث في قضايا عاشها وأحس بها خلال حياته العملية هناك ، وقارنها بتجاربه ومشاهداته ودراسته في المهجر ، واثناء تنقله من بلد إلى بلد لغرض السياحة أو العمل ، وقد ربط التاريخ بالمستقبل ، والحاضر بالماضي ليخرج بنتائج هذه البحوث .
 ونظراً لان اغلب هذه الأفكار والأبحاث هي تصورات ودراسات جديدة وغير مطروقة من قبل ، وبالرغم من إنها تستند إلى أسس علمية وتاريخية ، ولكنها لم تجرب على ارض الواقع بعد ، لذا فانه يرحب بأي نقد بناء أو وجه نظر مقاربة أو مخالفة لما ورد في هذه الأبحاث ، لتحقيق الهدف الأسمى ، وهو بناء العراق المستقبلي ، إنسانا واقتصاداً وحضارةً ، ويشكر من يتجشم عناء الاتصال به مع كل تقدير ، وعلى العنوان التالي  :
البريد الإلكتروني : h.salih@totalise.co.uk 
رقم الهاتف : 004 – 20 -  8255  0213
الباحث : د. حامد هادي صالح .
 
مدينة المستقبل

 

تميزت البصرة بميزات جعلت منها مدينة مهمة وعلى طوال تاريخها ، وتلك العناصر التي وضعتها كواحدة من أهم مدن العالم ما زالت قائمة ، بل أضيفت لها عناصر جديدة أوجدتها المتغيرات في عالم التكنولوجيا والتطور الصناعي الحديثين ، فالموقع الجغرافي للبصرة والتي تشكل مناطقها المنافذ البحرية الوحيدة للعراق ، وبوابة العراق على الخليج العربي ودوله ، بالإضافة إلى إنها تقع على مفترق الطريق البري الذي يربط العراق بإيران ودول آسيا ومشرق العالم الإسلامي من ناحية ، بشبه الجزيرة العربية  ومنطقة الخليج وبلاد الشام من ناحية ثانية . هذا من حيث استراتيجية موقعها أما الثروات الطبيعية المتوفرة فيها ، كالنفط والغاز الطبيعي ، والنخيل وشبكات انهار شط العرب والاهوار ، كل ذلك سيؤهلها مستقبلاً لتحتل مركزاً عالمياً مرموقاً في التجارة والصناعة والزراعة والسياحة .

 

المدينة السياحية

 

لقد أصبحت السياحة صناعة خاصة وركن مهم من أركان اقتصاد دول العالم ، فقيرها وغنيها ، بل إن هناك بعض الدول التي تعتبر دولاً ثرية تعتمد أساساً على السياحة . والعراق يحتل موقعاً سياحياً عالمياً لم يستغل بعد ، يؤهله أن يكون أحد أهم الدول السياحية في العالم ، فهو يملك اكبر واقدم رصيد آثاري حضاري في العالم وبدون منازع في السياحة التاريخية ، ويملك العدد الأكبر من المواقع المقدسة في العالم تجعل منه أحد اكبر الدول السياحية للأغراض الدينية ، كما ويملك المناطق الطبيعية المتباينة والتي يكون بعضها نادراً وتستثير الكثير من السياح بمشاربهم وأذواقهم المختلفة ، من المنطقة الشمالية الجبلية التي يمكن أن تكون مصائف جميلة ومناطق للتزحلق على الجليد في الشتاء ، إلى مناطق الجنوب والاهوار ونخيل شط العرب ، إلى الصحارى ذات الهواء النقي والشمس الساطعة والهدوء الذي ينشده الكثير من السواح ، والتي يمكن أن تكون كذلك نواة سياحة الصيد أو الاسترخاء والى آخر القائمة .

وحيث أننا سنتكلم في هذا البحث عن البصرة ، والتي تمثل الجزء الجنوبي من العراق ، فسنركز على الأسس السياحية لهذا الجزء ، استناداً إلى دراسات علمية تم اعتمادها ، وأسباباً منطقية سنقوم بسردها ، وكيف يمكن أن تجعل من البصرة منطقة سياحية عالمية وعلى الأخص في فصل الربيع والشتاء والخريف !

 

المشتى العالمي الأول :

بالرغم من أن البصرة ليست من المراكز الدينية ، كما وان المعالم الأثرية فيها ليست الأهم في العراق أو المنطقة ، ولا تصلح أن تكون مصيفاً ، لحرارة الجو فيها في فصل الصيف ، ولكنها تملك بعض المناطق الطبيعية الجميلة ، القليلة الوجود في بقاع العالم الأخرى ، والتي تؤهلها لتصبح أحد أهم المشاتي في العالم ، كما تملك الكثير من المؤهلات الأخرى ، من جو صحو ومعتدل معظم أيام الخريف والشتاء والربيع  وغير ذلك مما سنأتي عليه ، ولعل أهم المناطق الطبيعية التي يمكن الاستفادة منها في السياحة وكما يعتقد الباحث هي :

1 .منطقة الاهوار في شمال البصرة : كانت منطقة اهوار العراق تعتبر واحدة من أهم مناطق الاهوار بالعالم ، وقد تكون الأفضل بدون منازع ، فهي تجمع بين جمال الاهوار الطبيعي وما ينمو فيها من نباتات غريبة نادرة ، وما يعيش بها من الكميات الهائلة والمنوعة من الأسماك ، والتي تعتبر من أجود الأسماك وأطيبها ، وما تعيش فيها من طيور مهاجرة تأتيها في مواسم مختلفة ، حيث تعتبر واحدة من المناطق المهمة في العالم ، إذ تقضي فيها الكثير من الطيور المهاجرة فترات تكاثرها ونمو صغارها ، وكذلك يوجد فيها الكثير من الطيور المقيمة ، هذا بالإضافة إلى أسلوب عيش الناس الفريد من نوعه ، وطريقة بنائهم بيوتهم وأسلوب حياتهم في الصيد وتربية الجاموس وما إلى ذلك .

تعيش كل أسرة أو كل مجموعة من الأسر على جزيرة صناعية من القصب والبردي يتم تكديسه فوق بعض حتى تتكون منه تلك الجزيرة ، ثم يتم بناء البيت من القصب ايضاً ، وعلى تلك الجزيرة العائمة . ويتمتع فيها كل شخص بزورقه (مشحوفه) المصنوع من البردي المطلي بالقار ، وهم يربون الجاموس الذي يعيش في الماء ويتغذى على نباتات البردي التي تنموا في ماء الهور ، وكذلك يمتهنوا صيد الأسماك والطيور التي تعيش داخل وخارج الماء . فالهور وما فيه من نبات وحيوان بالنسبة لهم كل عالمهم ، فمنه مأكلهم ومشربهم ومركبهم ومسكنهم .

إن هذه الاهوار يمكن أن تكون منطقة سياحية من الطراز الأول ، فالسائح في اكثر الأحوال يبحث عن جديد ليراه ، وهذه الاهوار فيها كل جديد ، الماء والقصب والبردي والتنقل بالمشحوف ، والجاموس العائم في الماء طوال الوقت ، والسكن ببيت من القصب في جزيرة عائمة ، بالإضافة إلى صيد السمك والطير وبعض الحيوانات البرية التي تعيش في الهور وعلى ضفافه . هذا بالإضافة إلى إن المنطقة تتمتع بجو دافئ وشمس ساطعة طيلة اشهر الخريف والشتاء والربيع .

إن إعادة الحياة إلى الاهوار التي تم تجفيفها ، ولتعود إلى سابق وضعها ، لهو من المشاريع المستقبلية لبناء السياحة في العراق وفي البصرة ، وبناء قرى سياحية من القصب عائمة فوق مياه الهور ، مع إدخال بعض الخدمات الضرورية إليها سيجلب مئات الألوف وربما الملايين من السياح .

لقد كان القضاء على معظم مناطق الاهوار يعود لاسباب سياسية ، ويمكن اعتباره من الأخطاء المؤلمة التي يجب إصلاحها ، وحيث انه تم اكتشاف الكثير من حقول النفط في المنطقة ، وللحفاظ على الوضع الأمني داخل الاهوار وعدم استغلاله من قبل القوى المعارضة في المستقبل ، كل هذه الأمور يمكن أن تؤخذ بنظر الاعتبار ، فمن المعقول استعادة أجزاء من الاهوار قد تصل إلى ثلثي المنطقة ، والاستفادة من الجزء الآخر في استخراج النفط وتعزيز أمن المنطقة ، إذ من الممكن إيجاد الوسائل العملية للسيطرة الأمنية إذا تم فصل بعض أجزاء الهور عن بعضها ، هذا بالإضافة إلى إمكانية الاستغلال الزراعي وتربية الأسماك لأجزاء من الاهوار .

إن القرى السياحية داخل الاهوار يمكن بناء بيوتها بالقصب وكما كانت تبنى البيوت الجيدة من سكان الاهوار ، وتكون عائمة على جزر صناعية من القصب والبردي ايضاً ، مع إدخال بعض التعديلات الفنية عليها والتي تقتضيها الحياة العصرية من التاسيسات الكهربائية والصحية وبطريقة لا تشوه أو تغير من طبيعتها (راجع بحث القرى السياحية داخل الاهوار) .

من الأمور الأخرى التي يجب الاهتمام بدراستها في منطقة الاهوار هو تطوير بعض أجزائها والاستفادة منه في تربية السمك أو زراعة بعض المحاصيل التي يمكن الاستفادة منها في الصناعة مثل زراعة نبات (البانبو)  والذي هو من فصائل القصب ، ولكنه كبير الحجم  وينمو بسرعة كبيرة ، وقد يبلغ قطره العشرة سانيمترات ، كما إن ارتفاعه قد يصل إلى اكثر من ثمانية أمتار ، ويتم الاستفادة منه في دول شرق آسيا في بناء البيوت وعمل السقوف ويسمونه خشب الفقراء ، كما يمكن الاستفادة منه في صناعة الورق .

 

2 .مناطق النخيل في شط العرب : تشير التقديرات إلى إن عدد النخيل في العراق وحسب إحصاء عالم 1956 كان بحدود  70 مليون نخلة ، منها 50 مليون في منطقة شط العرب فقط . وهذا الرقم يمثل 70% من عدد نخيل العالم ، بينما يساوي 75% من إنتاج العالم للتمور .

لقد اخذ هذا الرقم بالتراجع بشكل مستمر حتى وصل إلى 45 مليون نخلة عام 1975  والإنتاجية  هبطت إلى الثلث ما كانت عليه في 1956 . أما عدد النخيل في الوقت الحاضر فانه يخمن بين عشرة إلى عشرين مليون نخلة فقط ، كما وان معظم النخيل هو في حالة رديئة .

إن استعادة أعداد النخيل إلى سابق عهدها بزراعة أعداد منه بطرق تكنولوجية حديثة ، أصبحت أمراً ميسوراً ، فمن الممكن الآن زراعة اكثر من خمسون مليون نخلة جديدة ومن النوعيات الممتازة وخلال عقد واحد من الزمان إذا ما تضافرت الجهود لذلك .

تعتبر مناطق النخيل في شط العرب أحد اجمل المناطق في العالم ، ولا يدرك ذلك إلا من شاهدها قبل ثلاثة عقود من الزمن . ويمكن لهذه المنطقة أن تخدم الجانب السياحي بقدر ما تخدم الجانب الزراعي ، فكما ذكرنا سابقاً إن اكثر السياح يبحثون عن شيء جديد لمشاهدته ولزيارته ، وقد أصبحت المناطق الساحلية والبحار أماكن مألوفة وليس فيها من جديد تستطيع أن تقدمه للسائح ، بينما مناطق نخيل شط العرب هي أماكن فريدة من نوعها ، وفيها من عناصر الجمال ما لا نتمكن من إيجازه ببساطة هنا .

إن إنشاء قرى سياحية في وسط هذه البساتين سيجلب الكثير من السياح ليعيشوا هذه التجربة الفريدة بين انهار شط العرب وظلال النخيل على جانبيها ، والزوارق تجوب تلك الأنهار ، والجو الدافئ مع الشمس الساطعة لمعظم أيام الخريف والشتاء والربيع . كما وان كلفة إنشاء هذه القرى سوف لن يكون كبيراً ،(راجع مشروع المربع السياحي الزراعي السكني) .

 

3 .منطقة التقاء دجلة بالفرات في القرنة :  تعتبر المنطقة التي يلتقي فيها دجلة بالفرات عند القرنة من المناطق الرائعة الجمال ، وفيها شجرة تدعى (شجرة آدم) ، يقال إن الذي زرعها هو آدم (ع) ، ويقال أن نبي الله إبراهيم (ع) كان قد صلى تحتها ، ونحن لسنا هنا بصدد صحة الخبر وتدقيقه ، ولكن مثل هذه الأخبار تستهوي السياح الأجانب ، وهنالك الكثير من يود مشاهدتها ، ولا باس في ذلك ما دامت تستهوي الزائرين ، فمن يزور تركيا مثلاً يتعجب من كثرة قبور الأنبياء والصحابة والأولياء هناك ، علماً بأنه لا يوجد أحد من الصحابة قد وصل إلى تلك المنطقة ، لا زائراً ولا مجاهداً ، لان تلك المنطقة كانت تمثل الدولة البيزنطية ولم يحاول المسلمون من غزو البزنطنين في عقر دارهم إلا بعد انتهاء عصر الصحابة . ومن الجدير بالذكر إن شجرة آدم الأصلية التي تحدثنا عنا قد ماتت وبقي أجزاء من جذعها ملقى على الأرض ، ونبتت شجرة جديدة مكانها ، وقد تم بناء فندق سياحي في تلك المنطقة ومنذ عدة عقود ، مع مقهى جميل يطل على نقطة التقاء دجلة بالفرات تلك  . إن هذه المنطقة مرشحة أن تكون مكاناً ممتازاً لإنشاء قرية سياحية متكاملة ، فيها الفنادق والمطاعم وأماكن الخدمات التي يحتاجها السائح مع وجوب ربطها بمدينة البصرة بخط نهري سياحي ، وبزوارق سياحية إلى الاهوار ، بالإضافة إلى خط للحافلات (الباصات) السياحية .

 

4 .مصب شط العرب في الخليج العربي : يبلغ عرض شط العرب عند المصب في الخليج العربي قرابة الكيلومترين ، وتكون الأرض هناك في حالة تكوين مستمر بسبب الترسبات التي يخلفها النهر ، وكلما تكونت ارض جديدة سارع المزارعون إلى زراعتها بالنخيل ، لذا فان الناظر من النهر إلى تلك الأرض يجد النخيل على مستويات مختلفة من الارتفاع وعلى شكل طبقات . ويسقى ذلك النخيل من مياه شط العرب عند المد ، ونظراً لعدم إمكانية زراعة الأرض بشيء آخر غير النخيل ، لذا فانه يزرع بكثافة عالية للاستفادة من الأرض إلى أقصى حدود الاستفادة . كل هذا كان قبل الحرب العراقية الإيرانية ، أما الآن فان الباحث لا يعلم بالضبط ما حل بالمنطقة ونخيلها ، وعلى كل حال ، فإذا تضافرت الجهود فبالإمكان إصلاح ما تلف .

إن المنطقة المذكورة تتمتع بجمال طبيعي ساحر ، وفي الإمكان إقامة قرية أو قرى سياحية فيها ، فهي منطقة مختلفة قلما تجد لها شبيه ، كما وإنها يمكن أن تكون منطقة صيد للأسماك والطيور وبعض الحيوانات البرية التي تعيش بين غابات النخيل ، وذلك للسياح الذين يعشقون الصيد . كما يمكن أن تقام فيها رياضة الزوارق والتزحلق على الماء  ، ويمكن ربطها بالبصرة من ناحية وبمناطق الخليج العربي من ناحية أخرى بطرق نهرية وبحرية سياحية ، وبخطوط برية تستخدم الحافلات السياحية .

 

5. المنطقة الصحراوية : تتمتع الصحاري بهواء نقي منعش  يدفع إلى النشاط والحيوية ، وشمس ساطعة ، وحيث إن هنالك مناطق صحراوية تقع إلى الغرب من مدينة البصرة (راجع القرية السياحية الصحراوية) ، لذا فان من الممكن الاستفادة منها في إقامة محميات للحيوانات البرية المهددة بالانقراض ، كالغزال مثلاً ، وبالإمكان إعادة بعض الحيوانات التي كانت تعيش في صحاري العراق وانقرضت في فترات ماضية ، كالنعام والمها ، كما انه من الممكن أن يتم إطلاق بعض الخيول والجمال فيها لتعود إلى الحياة البرية بعد عدة سنوات ، والتي ستمكن العلماء والباحثين من دراسة غرائز هذه الحيوانات بوضعها البري .

للحفاظ على هذه المحميات ، لا بد وان تكون محمية بسياج يمنع دخول الدخلاء إلى داخلها وخروج تلك الحيوانات إلى الخارج ، كما تحفر بعض الآبار فيها لزراعة بعض الحشائش بطريقة الرش ، وزراعة بعض الأشجار في أجزاء متفرقة من المنطقة ، كأشجار الأثل والسدر لتضفي مزيداً من الجمال على المنطقة وتوفر بعض مناطق الظل ، وتضمن وسائل العيش للحياة البرية .

هذه المحميات يمكن أن تكون مناطق سياحية حيث يتم إنشاء مجموعة من الفنادق مع المسابح والمطاعم وما تحتاج المنطقة السياحية من خدمات ، كما تنشأ إسطبلات للخيل والجمال للقيام برياضة ركوب الخيل والجمال ، هذا عدا كونها ظاهرة حضارية في الحفاظ على البيئة . وقد يكون من الصعب على القاري الكريم أن يتخيل كيف يمكن أن تكون الصحراء مناطق سياحية ، إلا إن من زار مناطق الأثل قرب البصرة سيدرك ذلك بسهولة .

من الممكن السماح لبعض عمليات الصيد إذا ازدادت أعداد تلك الحيوانات عن الحد الذي تستوعبه تلك المحميات (راجع بحث القرية السياحية الصحراوية) ، فتكون مناطق صيد ايضاً ، علماً بان بعض مناطق الصيد في العالم تتقاضى مبالغ كبيرة من السياح لقاء عملية الصيد تتراوح بين  1,000 5,000  دولار لصيد الغزال الواحد على سبيل المثال . وقد لا يعني الصيد دائماً قتل تلك الحيوانات ، فمن الممكن صيدها بطرق غير قاتلة ثم إعادتها إلى البرية ، كما يحدث لكثير من هواة الصيد عندما يصطادوا السمك ثم يعاد إلى الماء بعد أن يلتقطوا بعض الصور مع صيدهم .

ستكون تلك المراكز السياحية الصحراوية محميات لبعض الحيوانات من الانقراض ، ومصدات لتحرك رمال الصحراء ، والتقليل من العواصف الرملية ، وستجلب الكثير من السياح الذين يحبون الاسترخاء تحت الشمس أو ممارسة رياضة ركوب الخيل أو الجمال أو الصيد ، كما وستكون محط اهتمام المصورين السينمائيين ، والباحثين عن الحياة والأحياء البرية الصحراوية ، لتقديم أفلامهم لمحطات التلفاز المختلفة .

 

العوامل الأخرى التي تـؤهل البصرة سياحياً : بالإضافة إلى المناطق السياحية المميزة في البصرة فهنالك الكثير من العوامل الأخرى التي تساعد وتسرع وتؤهل من جعلها مركزاً سياحياً رئيسياً ومميزاً في الشرق الأوسط ، ومن هذه العوامل ما يلي :

1. موقعها الجغرافي : لعل للموقع الجغرافي اثر كبير في وضع البصرة كمركز سياحي وكما سيلي :

أ . موقعها في راس الخليج : وتربطها بدول الخليج والسعودية شبكة ممتازة من الطرق البرية مما يسهل قدوم مئات الألوف وملايين السواح العرب إليها ، كما وتكون محطة للحجاج القادمين من آسيا إلى الأراضي المقدسة .

لقد بدأت فعلاً خطوط بحرية ونهرية سياحية تربط البصرة ببعض دول الخليج العربي ، وأصبحت تنقل الكثيرين من السياح إليها . هذا بالإضافة إلى وجود مطار حديث وجيد يمكن أن يربطها بدول العالم الرئيسية .

ب . وضعها كالجسر البري الوحيد :  تكون البصرة جسراً برياً وحيداً يربط بين دول الخليج والسعودية من ناحية ، وإيران والباكستان وشرق العالم الإسلامي من ناحية أخرى ، مما يجعلها محطة توقف وسياحة للمسافرين بين هذه الدول .

 

2. اسمها التاريخي : يأتي اسم مدينة البصرة كأحد أهم أسماء مدن العالم الإسلامي في أيام الدول الإسلامية المختلفة ، مما يجعل الكثيرين يتوقون لزيارتها ورؤيتها والتعرف على معالمها .

 

3. أخلاق أهلها : الذي لا يختلف عليه اثنان من الذين عرفوا المدينة وأهلها بان أخلاق أهل مدينة البصرة وحسن معاشرتهم وما يتحلون به من كرم الوفادة تأتي كأحسن مدينة معروفة ، وهذا سبب مهم إضافي لجلب الزوار والسياح إليها ، فالزائر قد يتحاشى الذهاب إلى مناطق يتميز أهلها بالحيلة والنصب أو العنف وانتشار السرقة ، بينما تتوق نفسه لزيارة المناطق التي يتحلى أهلها بحسن الضيافة والأخلاق ، ومن يأتيها مرة يحب العودة إليها .

 

4. رخص الحياة وانخفاض الأسعار : السياحة هي صناعة كما نوهنا وحيث أن انخفاض الأسعار والأجور سبب رئيسي لنجاح الصناعة فهو سبب رئيسي لازدهار السياحة ونموها ايضاً ، والبصرة كأي جزء من العراق يتميز بانخفاض الأسعار والأجور .

 

5. الأعداد الكبيرة من المهاجرين العراقيين : لقد شهدت مدينة البصرة موجات كبيرة من المهاجرين منها والى مختلف دول العالم خلال العقود الأخيرة لكثرة الكوارث التي تعرضت لها المدينة ، حيث كانت مركز العمليات العسكرية خلال الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الثانية ، والمعروف عن أهل مدينة البصرة انهم اكثر الناس حنيناً لمدينتهم ، لذا فان هناك عشرات بل مئات الألوف منهم من سيأتي لزيارتها سنوياً .

6. السياحة المحلية : كما أن المناطق الجبلية هي الملاذ الذي يهرع إليه المصطافون العراقيون في فصل الصيف ، فان البصرة هي المشتى الرئيسي الذي يهرع إليه العراقيون في فصل الشتاء ، وقد شهدت فترة السبعينات من القرن الماضي نمو السياحة المحلية بشكل ملحوظ ، إلا إن ذلك تقلص بفعل الحروب والنكبات . 

 

السياحة إحدى طرق الصناعة :

لقد اعتبر الاقتصاديون السياحة في الوقت الحاضر قد أصبحت أحد أهم الصناعات ، لذا فان قوانين الاقتصاد التي تسير الصناعة بموجبها يمكن أن تنطبق على السياحة ايضاً ، وهنالك نظريتان رئيسيتان في التعامل مع السوق في العالم وهما كما يلي :

 

       ¨         النظرية الأوربية الكلاسيكية القديمة : والتي تقوم بدراسة اقتصادية للسوق قبل القيام بعملية التصنيع والإنتاج .

   ¨    النظرية الحديثة : والتي سارت عليها اليابان وبقية دول شرق آسيا ، والتي تعتبر السوق موجود دائماً ولا يحتاج إلى دراسة مستفيضة وانما يجب دراسة المنتج (السلعة) قبل اتمام تصنيعها وإرسالها للسوق ، فالسلعة أما تنافس بقية المنتجات بجودتها ونوعيتها ، كأن يقدم للزبون نوعية أجود أو شكل اجمل أو هيكل امتن أو طريقة عرض افضل الخ ، وإما تنافس بسعرها فتكون الأرخص مع المحافظة على الجودة وبقية العوامل .

 

بدراسة هاتين النظريتين يمكن لنا أن نقدم للسياح المختلفين الأذواق معظم ما يصبون إليه ، فالسائح القادم إلى البصرة سيتمتع بجو دافئ جميل في فصل الشتاء ، وأسعار رخيصة ، ومعاملة جيدة ، ومناظر خلابة لا توجد في معظم الدول السياحية الأخرى ، وما علينا إلا الاهتمام بمظهر المدينة وشوارعها ومشاريع صرف المجاري والأمطار وإنشاء المناطق السياحية والفنادق الجيدة .

 

الخطوات المطلوبة لجعلها المدينة السياحة الأولى في الشرق الأوسط :

لا يكفي تمتع أي منطقة بمواصفات ومؤهلات لتجعل منها مدينة سياحية ، بل هناك الكثير من الخدمات والمشاريع والإجراءات الأخرى كي تكون منطقة سياحية فعلية ، ومن ذلك ما يلي :

 

1 . تهيئة السكن المريح والكافي والمعقول للسائحين : ويتم ذلك ببناء مدن سياحية متخصصة يجد فيها السائح كل ما يحتاجه (على أن لا يتنافى مع القيم والدين طبعاً) ، ويشمل السكن الفنادق والشقق السكنية ، والبيوت .

يمكن بناء القرى السياحية في المناطق التي تم ترشيحها فيما قبل ، وهي كما ذكرنا : مناطق الاهوار شمال البصرة ، ومناطق النخيل في انهار شط العرب ، ومنطقة القرنة عند التقاء دجلة بالفرات ، ومنطقة مصب شط العرب بالخليج العربي ، والمنطقة الصحراوية غرب مدينة البصرة .

 

2. إنشاء القرى السياحية المخصصة بيوتها للبيع : لعلها أحدى الطرق ، والتي قد تكون مستحدثة ، هو إنشاء قرى تشمل على بيوت سياحية تخصص للبيع ، حيث يمكن أن تباع بأسعار رخيصة نسبياً وتباع في التقسيط ، وفي نفس الوقت لا يسمح لأصحاب هذه البيوت باستثمارها في الإيجار ، وانما تكون لاستعمالهم الخاص فقط . والغاية من هذا المشروع هو جلب عدد كبير من السواح وبصورة مستمرة ، فالذي يشعر انه يملك سكن سياحي هناك فلا شك انه يفضل أن يذهب إليه كل عام ، بل ربما اكثر من مرة خلال العام الواحد ، لما يسهله له وجود البيت المؤثث من راحة وتوفير في المصاريف السياحية . أما من هم المرشحون لشراء مثل هذه البيوت فهم : المهاجرون من أهل البصرة إلى دول العالم المختلفة أولاً  ، وكذلك بعض الموسرين من العراقيين من أهالي المدن الأخرى والذين يودون قضاء أوقات راحتهم وإجازاتهم الشتوية في مدينة البصرة ، والكثير من سكان الخليج والمملكة العربية السعودية الراغبين بقضاء أوقات متكررة من السنة في هذه المدينة وعلى الأخص الذين ينتمون إلى أصول عراقية أو لهم أقارب في العراق (راجع المربع السياحي السكني الزراعي) ، وهذه البيوت المعدة للبيع سوف لن تكون منعزلة عن المدينة السياحية ، وانما ستكون جانب منها .

 

3 . العناية بمظهر المدينة وشكلها : لعل العناية بمظهر المدينة سيحتاج إلى جهود جبارة اكثر من بناء المدن والقرى السياحية بكثير ، حيث إن البصرة قد عانت من إهمال متعمد لعقود طويلة ، ومرت بويلات متتالية ، وكانت مسرحاً لحروب مدمرة خلال العقود الثلاثة المنصرمة . والزائر لمدينة البصرة يصعق عند الدخول إليها ، ويتبخر كل ما سمعه من عظمتها وتاريخها المجيد ، فالسيارة تسير ولأميال طويلة بين أكواخ وبيوت بدائية البناء تتخللها أكداس القمامة والمستنقعات الآسنة التي يلعب فيها الأطفال وتسبح فيها الحيوانات ، كما وان أحيائها الحديثة بنيت بطريقة عشوائية تفتقد إلى كل حس هندسي وذوق إنساني ، فهي عبارة عن مجمعات سكنية غير متناسقة ، تفتقد إلى الحدائق والساحات العامة ، والخدمات فيها غاية في التخلف ، فلا مجاري في معظم أحيائها ، ولا شوارع معبدة ولا أرصفة لسير المشاة ، ومعظم مدارسها بنيت بطريقة تفتقد إلى الأسس الصحيحة للتدريس ، بالإضافة إلى أن كل أربعة مدارس تشترك في بناية واحدة ، والخدمات العامة في المدينة لا تزيد عما تجده في أفقر واكثر دول العالم تخلفاً ، أما مراكز الترفيه فهي غير معروفة ولم يسمع بها أحد ، وقد تم إنشاء حديقتين عامتين في نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي ، في أطراف المدينة إلا انهم سرعان ما حولوهما إلى مراكز خاصة للدولة والمسؤولين . 

يعتبر النظام المركزي في بناء المدن العراقية هو السائد في البصرة ، فالخدمات ووسائل الترفيه القليلة كلها تتمحور حول المركز الرئيسي للمدينة بالاضافة إلى دوائر الدولة المختلفة ، أما الأحياء فهي محرومة من كل شيء ، لذا فمن أراد قضاء سهرة عليه الذهاب إلى المركز ومن أراد أن يستخدم تلفون عمومي عليه أن يذهب إلى المركز ومن أراد أن يدعو أحد الأصدقاء في مطعم عليه بالذهاب إلى المركز ومن اراد دفع فاتورة الماء أو الكهرباء عليه الذهاب إلى المركز . أما الأطفال فانهم لا يجدون ساحة للعب أو حديقة عامة ، كما لا توجد في المدينة غير مكتبة عامة واحدة ، وهي لا تسمح باستعارة الكتب منها ، ورياض الأطفال لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة ، ولم يتم إنشاء مسبح في المدينة بعد  والى آخر القائمة .

إن إصلاح ما تم اقترافه من أخطاء بسبب إهمال الدولة لمسالة تخطيط المدن ، وهي التي تملك وزارة متخصصة لذلك ، وجهل المهندسين المسؤولين عن التخطيط بأبسط قواعد التخطيط ، سيلقي تركة ثقيلة على من سيأتي بعدهم ، وسيكلف مبالغ طائلة ما كانت لتنفق لولا سوء التخطيط الأولي ، وقد أكون غير مبالغ إذا قلت إن اكثر من 10% من المساكن والدور الحديثة سنحتاج إلى قلعها لإقامة مراكز الخدمات بدلها ، من أسواق وساحات لعب للكبار والصغار ، ورياض للأطفال وحدائق عامة ومدارس ومستشفيات ومقاهي شعبية ومسابح وغيرها وغيرها من المراكز الخدمية والترفيهية الأساسية .

أما المناطق الفقيرة التي تمتد اكثر من عشرين كيلومتر وابتدائاً من ساحة سعد بن أبي وقاص وعلى طول الطريق العام إلى بغداد والتي تمثل مدخل المدينة التي يصلها بمعظم المحافظات العراقية ، فلا بد من إزالة كل ما فيها من بيوت بدائية ومناطق قذرة وبرك يسبح فيها البعوض والكلاب ، وتعويض أهلها بمساكن صحية مناسبة في مناطق مختلفة ، وتحويل تلك المنطقة إلى حدائق عامة ومنتزهات وبنايات تتناسب مع سمعة المدينة .

وقد يتساءل بعض القراء الكرام : إن ذلك سيكلف من المبالغ ما لا تستوعبه ميزانية الدولة على المدى القصير ، فمن أين ستتم تغطية كلفة كل هذه المشاريع  ؟   لقد تمت دراسة هذه المشكلة وإيجاد السبل من خلال بحوث متعددة قام بها الباحث ، ويمكن الإجابة بشكل مقتضب وببساطة هنا ، هو إن نظام البلديات في المستقبل لا بد وان يكون مختلفاً عن وضعه الحالي من كون البلدية دائرة صغيرة تتبع الحكومة المركزية أو الدولة ! (راجع وضع البصرة السياسي) ، يجب أن تعاد صيغة هذا النظام ووفقاً لما هو معمول به في البلدان المتحضرة ، حيث تكون البلدية مؤسسة مستقلة يتم انتخاب رئيسها وأعضاء المجلس البلدي فيها من قبل أبناء المدينة ، وتكون هي إحدى الجهات الرئيسية في تخطيط المدينة ووضعها السكاني والعمراني ، ويكون لسكان المدينة الرأي الأول في مدينتهم ، كما وتتمتع البلدية بميزانية خاصة تأتي من الضرائب التي ستحتصلها بالدرجة الأولى ، فإذا عرفنا بان معظم النفط المستخرج في العراق هو من منطقة البصرة ! وإذا علمنا ايضاً إن كل البضائع المستوردة عن طريق البحر تأتي عن طريق البصرة ! وإذا تذكرنا بان معظم المصانع الكبرى في العراق مقامة في البصرة ! وإذا كان يجب علينا أن نعرف إن كل هذه المؤسسات يجب أن تدفع ضرائب إلى بلدية البصرة ! هذا بالإضافة إلى الضرائب البلدية الاعتيادية الأخرى التي تستوفى من الناس ، وما يجب أن تقدمه الحكومة كمساعدة إضافية للبلديات المختلفة !  فان هذه الضرائب بإمكانها أن تحقق مئات وآلاف المشاريع ، وتجعل من بلديات المدن الكبرى بالعالم تنظر بعين الحسد إلى الموارد التي تتمتع بها بلدية البصرة .

 

4. الدعاية : لا يكفي كون البصرة مؤهلة سياحياً بان تكون مدينة سياحية ، فتركيا مثلاً كانت دوماً مؤهلة سياحياً ولكنها لم تكن بلداً سياحياً معروفاً ، حتى بدأت بحملة دعائية استطاعت ايصال الصورة إلى الناس في الخارج بإمكاناتها السياحية ، وهكذا أصبحت في ليلة وضحاها من الدول السياحية في العالم .

الدعاية ركن أساسي في كل عمل تجاري ، فعلبة القهوة والتي تباع بثلاثة دولارات مثلاً ، لا تكلف قيمة البن فيها إلا اقل من عشرة سنت ، بينما يدفع للدعاية حوالي 45 سنتاً ، أي أربعة مرات ونصف بقدر قيمة البن ، المادة الأساسية التي نشتري العلبة من اجله . ولعل من الطريف أن نذكر هنا ، ولعل العرب هم أول من استعمل الإعلان التجاري المدفوع الثمن في التاريخ ، فكانوا يستخدموا الشعر والمغنين الشعبيين للترويج عن بعض البضائع ، وما قصة ذلك التاجر الذي أتى إلى بغداد من الشام باخمرة سوداء للنساء كانت قد بطل استعمالها ، والشاعر الذي نظم تلك القصيدة الظريفة التي تدعوا الفتيات لهذه الاخمرة حين قال : قل للمليحة بالخمار الأسود وغناها الشعراء الشعبيين ، واستطاع التاجر أن يبيع كل ما لديه بأحسن الأسعار إلا دليلاً على ما نقول . إن السياحة هي عمل تجاري يشبه كل الأعمال الأخرى ، وقد يكون من الممكن إنشاء محطة عالمية للتلفزيون وبلغات أجنبية مختلفة ، وتبث من خلالها الدعاية السياحية للعراق ككل ومن ضمنه البصرة ، ومن الممكن أن تبدأ تلك المحطة بواسطة شبكات (الإنترنت) حتى تتوسع إمكانياتها المالية ورصيد خبرتها ومعلوماتها .

 

ولعل أحد أنواع الدعاية المتبعة في الدول السياحية ، هو إقامة المهرجانات و(الكرنفالات) المختلفة ، ومن الظريف أن نعلم بان هنالك مهرجانات موجودة في البصرة فعلاً ، ويمكن تطويرها والاستفادة من الدعاية السياحية بواسطتها ، وهنالك ما يمكن إيجاده والاستفادة منه في المستقبل ، ومن تلك المهرجانات :

مهرجان المربد : ذلك المهرجان الذي يقام سنوياً في العراق ، والذي يجب أن يقام في موقعه الأصلي ، في منطقة المربد الواقعة في مدينة الزبير في الوقت الحاضر ، والتي كانت جزءً من مدينة البصرة القديمة . وبدلاً من توظيفه لأغراض سياسية هزيلة لا تغني ولا تسمن من جوع ، يوظف لتطوير الشعر العربي ولتفعيل وحدة الدم من خلاله في العالم العربي ، والوحدة الإسلامية الإنسانية التي يفرضها الدين الحنيف ، كما ويمكن الاستفادة منه في نفس الوقت في الدعاية السياحية إلى مدينة البصرة ، بما تلقى فيه من بحوث حول المربد وتاريخه وموقعه في البصرة ، وإنجازاته الثقافية ، ومن مقدمات تلفزيونية عن معالم مدينة البصرة الحالية قبل كل جلسة من جلساته ، وبدل أقامته في قاعات بغداد الحديثة ، يقام في سرادقات ومخيمات تنصب في موقع المربد الأصلي .

 

كرنفال المربد : يمكن إقامة كرنفال شعبي بمناسبة أيام المربد الثقافية ، ليكون باب ترويح وراحة بالإضافة إلى جانبه الدعائي ، بما يعرضه من الاستعراضات الفلكلورية التي ترمز لأيام المربد الخالدة ، والتقاء الأعراب بجمالهم وقوافلهم التجارية ، مع الشعراء والأدباء في سرادقاتهم الأدبية والشعرية .

 

سباق الهجن (الجمال) والخيول : كما يمكن إقامة سباقات للجمال والخيول تصاحب مهرجان المربد الشعري والأدبي والثقافي ، لتجعله مهرجان رياضي ايضاً ، ومهرجان سياحي ودعائي في نفس الوقت . إن مهرجان المربد الشعري يمكن أن يمتد لمدة شهر كامل إذا أضفنا إليه مثل هذه الفعاليات وغيرها .

 

عيد النوروز وعيد المهرجان : عيد النوروز من الأعياد المهمة التي كانت تحتفل فيها مدينة البصرة قديماً ، حيث كان الناس يخرجون في زوارقهم وسفنهم في شط العرب ، يرقصون ويغنون ويضحكون ويمرحون ، وقد وردت الكثير من القصص والروايات عن ذلك العيد واحتفالاته في كتاب ألف ليلة وليلة وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني وغيرها من كتب الأدب ، وبقي هذا العيد يحتفل به بنفس الأسلوب حتى العقود الأخيرة  ، عندما انشغل الناس بالحروب بدل المرح ، وبالمآتم بدل الفرح . ويعتقد الكثيرون إن اصل هذا العيد فارسي ، وينسبوا إليه القصص والأساطير ، وكيف استطاع الحداد (كاوا) من قتل الملك المستبد (الضحاك) الذي كان يتغذى على دماء الأطفال الرضع من أبناء الشعب ، ويقول الأكراد إنما كان كردياً وليس فارسياً .

هذا العيد (النوروز) في حقيقة أمره هو عيد الربيع حين يتساوى فيه الليل مع النهار يوم الثاني والعشرون من الشهر الثالث في التقويم الميلادي ، وكل شعب حاول إيجاد أسطورة معينة ليجعل منه عيداً ، ولعل أول من اتخذه عيداً هم السومريون وقبل سبعة آلاف سنه ، وقبل أن يولد (كاوا) بأكثر من أربعة آلاف سنة ، ودعوه بعيد (جز صوف الغنم) ، وأخذه المصريون فيما أخذوه وسموه (فيما بعد على ما يبدو) بعيد شم النسيم ، وادعاه الفرس والأكراد وسموه (النوروز) ، وأخذه الأوربيون والكنائس المسيحية ودعوه (عيد الفصح) أو (الايستر) ونسبوه إلى صلب السيد المسيح (ع) وقيامه من القبر بعد ثلاثة أيام ، كما وادعاه الهنود والصينيون وغيرهم . ولا يهمنا هنا اصله وفصله وجنسيته وشهادة جنسيته !!! وانما يهمنا انه أحد الأعياد التي يمكن أن تكون وقتاً للمرح ، وفي نفس الوقت مهرجاناً سياحياً تصاحبه بعض الكرنفالات الشعبية .

أما عيد المهرجان فهو في فصل الخريف (الاعتدال الخريفي) عندما ينتصف الليل والنهار ايضاً ويصادف في يوم 22 سبتمبر . ومن الممكن جداً إحياء هذا العيد الشعبي الذي قد نسي ، وإقامة المهرجانات والكرنفالات الشعبية فيه لتكون من أيام الفرح والمرح وإيذاناً ببدء الموسم سياحي في البصرة .

 

المهرجانات الرياضية : يمكن أن تقام هناك مهرجانات رياضية أخرى كثيرة ، يتم اختيار أوقاتها والتي تتناسب مع وضع البصرة الطبيعي والجغرافي والفصل السياحي ، كان يقام سباق للزوارق الشراعية ، والزوارق الأخرى ، ويمكن أن يبدأ هذا المهرجان بسباق للزوارق بين جامعات العراق ثم الأندية المختلفة ، المحلية والعربية وحتى العالمية ،كالذي يقام في إنكلترا وكثير من دول العالم ،  وتوضع لها الجوائز ، كما يمكن إقامة سباقات محلية ودولية وعالمية مختلفة وتكون خاصة في مدينة البصرة تقام كل عام في نفس الوقت والمكان .

 

5. وضع نظام للنظافة والرقابة الصحية : يجب أن يقام نظام رائد ودقيق للرقابة الصحية على المطاعم والفنادق والمقاهي والمرافق السياحية ومحلات بيع المواد الغذائية والخضار وغير ذلك ، ولا يقتصر ذلك النظام على رقابة صحية شديدة بل قد يشمل ما يلي :

         ·     لا تمنح رخص فتح المحلات أو الفنادق أو أي مكان عام إلا برخص مشددة تراعى فيها النظافة والشروط الصحية ، والشكل العام للمكان ، وغير ذلك .

         ·     عقوبة المخالفين لشروط الصحة تكون بغلق محلاتهم لمدد معينة ، ووضع لافتات لأعلام الناس بذلك ، حيث تثبت في واجهات تلك المحلات أو الأماكن ، وتبين سبب الإغلاق .

                       ·           تسحب الرخص من أصحاب تلك المحلات في حال تكرار الإهمال والمخالفة ، وتغلق محالهم بشكل نهائي .

         ·     إقامة سباقات سنوية لأحسن تلك المحلات ، وتعطى شهادات للفائزين في تلك المسابقات ، كما قد تمنح مكافئات مالية في بعض الأحوال .

         ·     تصنف درجات المحلات العامة حسب نظافتها ومطابقتها للشروط الصحية والشكل العام ، كان تكون هناك فنادق تمنح درجة أولى وفنادق درجة ثانية أو ثالثة ، وهكذا بالنسبة للمطاعم والمقاهي وباقي المحلات العامة ، ويعاد التصنيف كل عام ليبقى الحفاظ على نسبة تطبيق تلك الشروط بشكل دائم ، وتقوم لجان خاصة بزيارات مفاجئة ، وكذلك يتم الرجوع إلى سجل الزيارات الصحية للمكان حين منح الدرجة .

 

6. إعطاء المنح والقروض : تمنح بعض المساعدات ، كما تسهل بعض القروض لأصحاب المطاعم والفنادق والخدمات السياحية المختلفة والمقامة في المناطق السياحية المخصصة ، أو داخل القرى السياحية التي تم ذكرها .

 

 

المراحل التي يمكن اتباعها في تحويلها إلى منطقة سياحية :

ليس من الحكمة والمنطق أن تبث الدعاية في العالم بمكانة البصرة السياحية وهي غير مستعدة بعد ، فيكون ذلك مضراً بعملية السياحة على المدى البعيد ، ونكون كمن يطلب من مصارع أن يذهب إلى حلبة الصراع بعد إجراء عملية جراحية له مباشرة ، لان الذي يأتي ولا يجد فندقاً جيداً ليسكنه أو مواصلات مناسبة لتنقله أو مطعماً نظيفاً ليأكل فيه ، أو مكاناً سياحياً يقضي فيه وقته ، فانه سيكون دعاية مضادة عند عودته ، وصوته سيكون مسموعاً اكثر من أي إعلان تلفزيوني . بل علينا أن نسير بالأمر على شكل خطوات وبشكل مدروس . ولعل أهم الخطوات تكون ما يلي :

 

الاهتمام بالسياحة الداخلية أولاً : تكون الخطوة الأولى تطوير وتشجيع السياحة الداخلية ، فإذا نشطت تلك السياحة فإنها ستهيأ المدينة سياحياً وتطور قابليتها ، فتبنى الفنادق ويزيد الاهتمام بنظافتها وخدماتها ، وتفتتح المطاعم الجديدة ويعتني بمظهرها ونظافتها ، وتبدأ المنافسة بين تلك المرافق السياحية ، مما يطورها وينميها ، وتبنى المرافق الترفيهية ويصبح الكادر السياحي الشعبي اكثر تأهيلاً لاستقبال المزيد من السياح .

الاهتمام بسياحة الجالية العراقية في الخارج : لقد كانت الحروب سبباً في نزوح عدة ملايين من العراقيين إلى الخارج ، وقد شهدت البصرة أولى موجات الهجرة إلى الخارج لاسباب كثيرة ليس هنا وقت سردها . مما لا شك فيه إن هؤلاء المقيمين في الخارج سيعود بعضهم إلى الوطن عند تحسن الأحوال المعيشية والسياسية ، ولكن أكثرهم سيبقى في البلدان التي انتقل إليها لاعتبارات كثيرة . 

من المؤكد بإن أفراد هذه الجالية يتشوقون لزيارة بلادهم وأهلهم ، وعلى الأخص عندما تستقر الأوضاع السياسية في المنطقة ، فإذا أبدت الحكومة بعض التسهيلات لهم فان زيارتهم إلى بلدانهم ستكون متكررة . ومن التسهيلات المقترحة هي التذاكر الجوية المخفضة لهؤلاء ، وعلى الأخص للشباب منهم وذلك ليس لأسباب السياحة فقط وانما لأسباب كثيرة أهمها إشعار هؤلاء الشباب الذين ولد قسم منهم في المهجر ، وترعرع كلهم هناك ، إشعارهم انهم ينتمون إلى ارض هذا الوطن أولاً ، ثم الوطن الجديد الذين ولدوا أو عاشوا فيه ثانياً . وكذلك إقامة المهرجانات والسفرات السياحية ، وللشباب بوجه خاص ، ورفع قيود السفر و(الفيزة) عن الذين تجنسوا بجنسيات أخرى ، بل وإصدار قانون تعدد الجنسيات أسوة بدول العالم المتقدمة وبعض الدول العربية . إن هذه الجالية ستشكل ثقلاً سياحياً كبيراً قد يبلغ الملايين من السواح في السنة (على نطاق البلد ككل وليس البصرة فقط) ، ومن المؤكد إن الذين سيزورون بلدهم في فصل الشتاء سيرغبون بزيارة مشتى العراق . إن النجاح في التعامل مع هؤلاء السواح العراقي الأصل سيقود بالضرورة إلى سهولة التعامل مع السواح الأجانب فيما بعد ، بل وان الكثير منهم سيقوم بإنشاء مشاريع سياحية ينقل من خلالها خبرته وتجاربه في دول المهجر .

الاهتمام بالسياحة الخليجية : في الوقت الذي نود أن تكون البصرة بصورة خاصة والعراق بشكل عام دولة سياحية لما يمكن الاستفادة من السياحة ، فانه من المؤكد يجب عدم التفريط بالقيم والمبادئ على حساب المادة ، والاستفادة من السياحة الخليجية يجب ألا يكون مصاحب للتخلي عن تلك القيم كما كان حاصلاً فيما مضى حين أقدمت الحكومة على بناء مدينة خاصة دعتها (حي الطرب) وأسكنت فيها مجموعات من الغجر بغية جلب السياح من الخليج . إن هذا أمراً مرفوضاً . إن هنالك الكثيرون من سكان الخليج يودوا زيارة البصرة لما لها من ماضي عريق وما فيها من مناظر خلابة ، وما في السفر إليها من تغيير في الأجواء ، ومتعة في تغيير نمط العيش ، كما وان مثل هذه السياحة يغلب عليها طابع السياحات العائلية ، أضف إلى ذلك قلة الكلفة التي يتحملها السائح بالمقارنة بالسفر إلى أية منطقة أخرى ، كما وان عامل اللغة والدين والشعور بالأمان يجعل منها اكثر يسراً ، هذا بالإضافة إلى إن الكثير من سكان الخليج وشبه الجزيرة يرتبط بعلاقات من القرابة والصداقة مع أبناء المنطقة . كما وإن السفر من الخليج إلى البصرة لا يحتاج إلى كثير من الوقت والمال لذا فان من الممكن أن تكون فترات الإقامة قصيرة لقربها ، مما يجعل من الممكن لهم أن يأتوا في أوقات العطل القصيرة وعطلة نهاية الأسبوع ايضاً ، وهذا يعني تكرر زياراتهم أثناء العام الواحد ، وهذا مما سيؤهلها لاستقبال مئات الألوف وربما الملايين من سكان الخليج وشبه الجزيرة سنوياً .

تهيئة القرى والخدمات السياحية : مما لا شك فيه إن نجاح المراحل الثلاثة السابقة سينمي الخبرة وراس الماس المستخدم في السياحة وسيشجع الكثير من الأفراد والشركات بعمل استثمارات كبيرة في هذا القطاع ، وسيعطي الثقة والوقت الكافي لإنشاء قرى سياحية ، فيها الكثير من المساكن والفنادق والشقق ووسائل الراحة والمطاعم ، واستيراد أو تصنيع الحافلات السياحية ، وبناء السفن المخصصة للسفرات النهرية والبحرية القريبة ، وإنشاء المسارح والمتاحف والمعارض وغيرها .

مثل هذه المشاريع تحتاج إلى دراسات وخطط وافية ، كما تحتاج إلى مساهمة الدولة في الكثير منها ، ومشاركة المصارف الوطنية وإنشاء الشركات المحلية بالإضافة إلى الشركات والمصارف العالمية ، وقد يكون للمستثمرين العراقيين دوراً بارز فيها ، يرجى مراجعة أبحاث الباحث حول : (المربع السياحي والزراعي والسكني) ، و(القرية السياحية الصحراوية) ، و(القرية السياحية في مناطق الاهوار) .  

 

البدء بالسياحة العالمية : ستبدأ السياحة العالمية باستحياء خلال السنوات الأولى ، ولكن نمو السياحة المحلية وقدوم السواح من المهاجرين العراقيين والخليجيين ، سيولد سياحة عالمية ضخمة بجانبه ، وعلى الأخص في موسم الخريف والشتاء  والربيع ، وهذا من الإيجابيات المهمة فان زبائن السياحة الشتوية هم الطبقة الجيدة من السياح ، وأكثرهم من المتقاعدين الذين يجدوا الوقت الكافي للسياحة في هذا الموسم والأغنياء . ولتنشيط هذه السياحة يمكن الاستفادة من الطرق المتبعة في البلدان السياحية ، من إقامة السباقات والمهرجانات الرياضية من سباق السيارات أو الخيل أو الجمال أو الزوارق ، ونشر الكتب السياحية عن العراق والبصرة ، وتشجيع المنتجين السينمائيين المحليين والعرب والعالميين من إنتاج أفلامهم في المنطقة ، مع تقديم المكافئات والتسهيلات لهم ، وكذلك استئجار المحطات التلفزيونية لبث برامج سياحية عن المنطقة ، والاستفادة من كل وسائل الدعاية المتاحة بما فيها الانترنيت والصحف والمجلات وغير ذلك .

 

مركز الصناعة الأول في الشرق الأوسط

 

لعل مستقبل مدينة البصرة لا يؤهلها بان تكون المنطقة الصناعية الأولى في العراق فحسب ، بل أن تكون المنطقة الصناعية الأولى في الشرق الأوسط وذلك لعدة أسباب :

1 . غزارة الأحواض النفطية فيها : دلت المكتشفات الحديثة إلى إن منطقة البصرة تحوي على أحد اكبر مخزون نفطي في العالم ، من حيث تواجد اكبر الأحواض النفطية الغزيرة حولها ، كحقل مجنون ، وحقل السيبة ، وحقول الرميلة والنخيلة ، وحقل جنوب القرنة الذي يمتد إلى مناطق الاهوار ، والحقول التي تمتد إلى داخل حدود السعودية والكويت وغيرها ، كل هذا يجعلها مؤهلة لإنشاء مصانع تكرير النفط الخام وتصديره بعد عملية التكرير بما يوفر من وارد إضافي كبير وأعمال كثيرة للعمال والفنيين والمتخصصين .

2 . توفر كميات هائلة من الغاز الطبيعي : ولنفس السبب السابق فان كميات الغاز المستخرجة ، والتي ترافق عملية إنتاج النفط ستمكن من إقامة مصانع تسييل الغاز بعد تنقيته بغية تصديره إلى الخارج .

3 . إمكانية التوسع في صناعة البتروكيماويات : كما وان الكميات الهائلة للغاز ستفرض إقامة المزيد من مصانع البتروكيماويات والأسمدة المختلفة .

4 . إمكانية إقامة محطات توليد الطاقة : بالإضافة إلى ما تم ذكره فان توفر الغاز الطبيعي سيسهل من إمكانية إنشاء محطات توليد الطاقة الكهربائية التي تعتمد على ذلك الغاز الطبيعي ، والاستفادة من الكهرباء في تغذية الكثير من الصناعات ، مثل استخراج وتصنيع الألمنيوم ، والحديد ، وغير ذلك .

5 . موقعها على الخليج : إن موقع البصرة المميز وكونها وضواحيها من الموانئ البحرية الوحيدة للعراق ، فان ذلك سيساهم في تأهيلها لإنشاء منطقة صناعية وتجارية حرة ، تمتد على مساحة المثلث بين ميناء أم قصر وميناء خور الزبير وميناء الفاو . إن مما يساعد على إنشاء هذه المنطقة الحرة بالإضافة إلى الموقع الجغرافي هو رخص أجور العاملين فيها سواء كانت البسيطة أو الماهرة بما فيهم من مهندسين وفنيين . هذا بالإضافة إلى توفر الطاقة الكهربائية والوقود بأسعار رخيصة جداً ، وتوفر الماء اللازم للصناعة بأسعار رخيصة ، كما وأن منطقة البصرة تتصل بشبكة من وسائل النقل البري والنهري والبحري ، وقربها من أسواق الاستهلاك أو موانئ التصدير ، والكثير من المواد الأولية متوفر فيها أو قريب منها ، راجع بحث (المثلث الصناعي التجاري الحر) .

إن بإمكان مثل هذه المنطقة الحرة تجهيز العراق بالكثير من الصناعات المختلفة التي يحتاجها ، كما وان بإمكانها استهلاك الكثير من مواده الأولية ، سواء كانت معدنية أو زراعية وحيوانية ، هذا بالإضافة إلى جعلها منطقة تصدير واستيراد من والى العالم الخارجي .

 

الخطوات التي يتطلب اتباعها في التحويل الصناعي :

المقومات الصناعية الكبيرة المتوفرة في البصرة لا تكفي من تحويل المدينة إلى منطقة صناعية ما لم تترجم بخطوات عملية مصاحبة لها ، ولعل أهم تلك الخطوات ما يلي :

تخصيص منطقة صناعية ضمن المنطقة التجارية الحرة : لعل أحد أهم الأسباب في تنشيط الصناعة هو إقامة المنطقة الصناعية التجارية الحرة والتي اقترحنا أن تكون ضمن المثلث بين مدينة الفاو وخور الزبير وأم قصر ، والذي نطلق عليه المثلث التجاري الصناعي الحر . إن أهمية هذه المنطقة تأتي لتحرير الصناعة من القيود التي تعاني منها داخل العراق ، والتي قد تحتاج إلى عقود طويلة للتخلص منها ، من الروتين الحكومي وقوانين الاستيراد والتصدير وقوانين العمل وغيرها . وبعد إن تدرس الصناعات التي يمكن أن تقام في ذلك المثلث وتقسّم الأراضي بمساحات تتناسب مع المشاريع ، ويتم توصيل الماء والكهرباء والغاز وتعبيد الشوارع وتنظيم مياه المجاري والصرف الصحي يتم توزيعها ، حيث تعطى الأولوية إلى أبناء المنطقة والعراقيين الذين يعيشون في المهجر ، ثم إلى المشاريع التي يقوم بها غير العراقيين وحسب أهميتها وحاجة البلد إليها ، راجع بحث (مشروع المثلث الصناعي التجاري الحر) .

إن دراسة مستفيضة لا بد وأن تجرى على مثل هذا المشروع وإشراك الصناعيين أصحاب المصلحة في مثل هذه الدراسة ،  والاستفادة من التجارب التي مرت في المشاريع المشابهة في دولة الإمارات العربية وغيرها .

تعديل القوانين الصناعية بإيجاد الاستثنائات : كما يعتمد الفقهاء المقولة ،"ادرءوا الحدود بالشبهات" ، فان هنالك كثير من القوانين الصناعية التي صيغت وطبقت بشكل جامد يمكن تخفيف وطأتها بالاستثنائات ، مثال ذلك عدم إمكانية إقامة مشروع صناعي إلا في المنطقة الصناعية المخصصة للمدينة . وبالرغم ما يبدوا عليه القانون من منطقية إلا إن الذين وضعوا أسسه هم أناس أكاديميين بعيدين عن ساحة العمل وفهم المشاكل العملية !  فالذي يريد أن ينشأ مصنعاً للدبس مثلاً ، يجب أن يكون موقع مصنعه وحسب صيغة القانون ، بـين بقية المصانع في تلك المنطقة ، علماً إن تلك المنطقة غير مناسبة لمثل هذه الصناعة لعدم توفر كميات كبيرة من الماء الضروري لهذه الصناعة ، ولكثرة الغبار الذي قد يؤثر على جودة المنتج أثناء خزن التمر واثناء عمليات التصنيع ، وذلك سيؤدي إلى تضاعف الكلفة بسبب المصاريف الإضافية التي يتحملها التصنيع جراء عمليات النقل والخزن ، كنقل التمر إلى المصنع ونقل بقايا التمر من المصنع ، كما وان المساحات المخصصة للمصانع لا تكون كافية لمثل هذا المشروع ، وكلفة الأرض التي تبيعها البلدية لصاحب المصنع ستكون باهظة . ومثال طريف آخر : فالذي يريد إنشاء مصنع للبلاط (الكاشي) أو الخرسانة الكونكريتية عليه أن يضع جهاز إطفاء للحريق في المصنع ، بالرغم انه لا يوجد أي شيء فيه قابل للاحتراق ، ومحتويات المواد الداخلة في التصنيع هي مواد تستخدم في إطفاء الحريق عادةً لا في حدوثه ، كالرمل والماء والحصى ، وقس على هذا . فإذا كنا لا نستطيع إن نغير قوانين الدولة لأننا جزء من العراق الذي يخضع لهذه القوانين ، فان بإمكان البلدية بما تملك من صلاحيات في استقلاليتها الإدارية عن الدولة أن تجعل لهذه القوانين استثنائات تقوم لجنة خاصة بدراسة ظروف كل مشروع ، وبشكل مستقل ، وحل مشاكله القانونية بانفراد .

المساواة في الخدمات : قدم المصرف الصناعي والمصرف الزراعي في العقود الماضية الكثير من القروض والتسهيلات المصرفية للمشاريع المقامة في محافظات المنطقة الوسطى وبعض محافظات المنطقة الشمالية ، أما المنطقة الجنوبية فكان نصيبها من تلك المصارف ، هو البنايات التي تحمل أسماء تلك المصارف فقط ، إذ لم تقدم قروضاً أو تسهيلات للمشاريع المقامة هناك ولو عن طريق الخطأ ، ومن يتقدم لأي مشروع يضعوا أمامه قائمة من الشروط الغير منطقية والتي لا يمكن تنفيذها عملياً ، في الوقت الذي كانت نفس تلك المصارف تتغاضى عن كل ذلك في المناطق الأخرى . إن نظام المحافظ والمجلس البلدي المنتخبان من قبل أهالي المحافظة والذي لا بد من تطبيقه إذا أردنا نظام ديمقراطي ، يجب أن يتدخل لرفع هذا الغبن في التمييز بين المحافظات (راجع النظام السياسي لمدينة المستقبل) .

تشجيع المهندسين وذوي الاختصاص بإقامة المشاريع الصناعية : لقد كانت كل المصانع الصغيرة ولغاية عام 1982 مملوكة من قبل أناس بعيدون عن الصناعة والتخصص الصناعي ، (ولا يعلم الباحث عن حالها بعد ذلك) ، فمن بين اكثر من ألفين مشروع صناعي مسجل في اتحاد الصناعات في البصرة كان هناك شخص واحد مهندس فقط ، أما الباقون فكانوا بين خياط وبقال وراعي غنم وفلاح وغير ذلك ، وكان هناك بضع مهندسين يعدون على أصابع اليد الواحدة يمتلكون مصانع ولكنها مسجلة بأسماء أناس آخرين ، وأنا هنا لا أريد أن انقص من قدر أصحاب المصانع أو اتحاد الصناعات ، إلا إن هذه الحقيقة تمثل كارثة صناعية ، فعندما تدار تلك الصناعات من قبل أشخاص ليسوا بذوي اختصاص ولا يفهموا حتى المبادئ الأولية في الصناعة ، وأكثرهم لا يعرف حتى القراءة والكتابة ، فعلينا أن نتصور كيف سيكون حال الصناعة ؟  

لعل القارئ يتعجب من هذا الوضع ويتساءل عن السبب ، والتعمق في معرفة هذه المصيبة هو أمر اشد مرارة من المصيبة نفسها !  ذلك لان القوانين أو قرارات مجلس قيادة الثورة التي تتمتع بقوة القانون ، تحضر على كل مهندس أن يفتح مشروع صناعي إلا بعد أن يحصل على موافقة من مجلس قيادة الثورة ! !  والحجة في ذلك إن الدولة كانت تحتاج هؤلاء المهندسين في العمل في مؤسساتها ، وتمنع عليهم الاستقالة أو العمل في أي مكان آخر ، كالمقاولات مع الدولة ، والعمل مع الشركات الأجنبية المقاولة ، وفتح المصانع وغير ذلك . وقد نسي المسؤولون إن ذلك سيحرم هذه القطاعات من العناصر الكفوءة والمتعلمة ، ولم يهتموا إلا بملأ الشاغر لديهم ، وتكديس أولاءك المهندسين في الدوائر وكبطالة مقنعة ، أو ليقوموا بأعمال إدارية أو شبه إدارية يستطيع أن يشغلها الإداريون والفنيون وربما بكفاءة أعلى .

إن أحد أسباب تطور الصناعة في المستقبل يكمن بالاستفادة من هذه العناصر الشابة المتعلمة ، وتسهيل القروض المصرفية لهم ليبدؤوا في إنشاء المصانع بعد تأهيلهم لتلك الصناعات نظرياً وعملياً ، وان تلك المصانع الصغيرة يمكن إن تتطور لتصبح شركات ومصانع كبيرة تساهم في النهضة الصناعية للبلد بعد فترة من الزمن ، راجع بحث (بناء القاعدة الصناعية في العراق) .

عمل دراسات للمشاريع الجديدة التي يمكن إقامتها : يمكن للمحافظة وباستخدام بعض الأخصائيين وبالتعاون مع وزارة الصناعة ايضاً ، من عمل دراسات مفصلة حول المشاريع التي تحتاجها المحافظة مع كيفية تنفيذها ، مما يشجع بعض المستثمرين من الاستفادة من تلك الدراسات وتنفيذ تلك المشاريع ، ودون البحث عن مشاريع تحتاج إلى الدراسة ، وعلى الأخص إذا أعطيت تلك المشاريع بعض الامتيازات والتسهيلات الإضافية . إن هنالك الكثيرون من المستثمرين الذين يبحثون عن استثمار لأموالهم ، ولكن تنقصهم الخبرة والمعلومات الكافية لاختيار المشروع المناسب ، ويخشون المجازفة بمشروع غير مدروس جيداً ولا تعرف نتائجه .

تقديم الدعم المادي والمنح لإقامة بعض المشاريع : هنالك الكثير من المشاريع المهمة للعراق ككل ولمحافظة البصرة بشكل خاص ، كالمشاريع الخاصة بإنتاج وتصنيع بعض المواد الغذائية التي تفتقر إليها المحافظة ، مثل مصانع الألبان على سبيل المثال ، أو التي تستخدم المواد الأولية التي يمكن الاستفادة منها وتصنيعها ، أو التي تحل بعض المشاكل التي تعاني من نقصها المنطقة ، كمشاريع العلف الحيواني والمشاريع التي تساهم بحل مشاكل السكن أو النقل والسياحة والزراعة والى آخر القائمة . إن مثل هذه المشاريع قد تحتاج بعض الدعم الذي يجب أن تتحمله الدولة ، وميزانية المحافظة ، وهذا الدعم قد يكون بإعطاء التسهيلات الإضافية من ارض أو توصيل الكهرباء وبيعها بأسعار مخفضة أو توصيل الماء والغاز والى آخره ، وقد يكون دعم مالي على شكل منح أو قروض إضافية مسهلة . إن هذا الدعم وبدون شك قد يساهم بإنجاز مشاريع صناعية غير مرغوب بها كثيراً من قبل المستثمرين ، ويخلق توازن بين ما تحتاجه المنطقة وما يمكن أن تقدمه الصناعة المحلية .

تشجيع إنشاء الشركات الصناعية المساهمة : لقد خطت الحكومة العراقية أيام عبد الكريم قاسم في الفترة ما بين 1958 1963 م خطوات عملية بخلق نواة للصناعات الوطنية ، فقد شجعت وساهمت وقدمت القروض لإنشاء شركات صناعية مساهمة ، وكانت النتيجة مولد عدة شركات صناعية منها ، شركة الصناعات الخفيفة ، وشركة الصناعات الكهربائية وغيرها كما تأسس عدد من المصارف الوطنية ايضاً ، ولو تم الاستمرار بهذا العمل والسير في هذا الطريق لأصبح العراق أحد الدول الصناعية المهمة ، حيث استطاعت هذه الشركات من القيام بتصنيع عدد من المنتجات المهمة التي يحتاجها السوق وبكفاءة عالية ومدة يسيرة ، ولكن هذه التجربة الرائدة تم إجهاضها بعد إزاحة قاسم عن السلطة ، وذلك بتأميم تلك الشركات ، وسرعان ما هبطت نوعية الإنتاج إلى مستويات متردية في تلك الشركات المؤممة ، وبدأت تسجل خسائر تتحمل الدولة أعبائها ، بعد أن كانت تسجل أرباحاً يستفيد منها أصحاب الأسهم بشكل مباشر والبلد بشكل غير مباشر .

إن إعادة تلك التجربة الرائدة يؤدي بإسراع حركة النمو الصناعي دون أن تسبب خسائر وأعباء إضافية على القطاع الحكومي . وكل ما تحتاج الدولة عمله هو تشجيع قيام مصارف وطنية من ناحية ، وان تدفع المصارف الحكومية إلى المساهمة في شراء جزء من اسهم الشركات التي يتم إنشائها حديثاً من ناحية ثانية ، وتقدم القروض اللازمة لتلك الشركات حتى تنهض على أقدامها ، ثم تقوم تلك المصارف ببيع حصصها بعد أن تصبح تلك الشركات مؤسسات رابحة ، ولتستثمر تلك الأموال من جديد في مشاريع جديدة . إن القروض التي تقدمها المصارف الحكومية لا بد وان تكون قروض ميسرة بفائدة اسمية ، كي تعطي تلك الشركات الناشئة زخماً وقوة للوقوف أمام البضاعة المستوردة ، تلك البضاعة التي يتم استيرادها من مصانع وشركات تتمتع بخبرتها العريقة وإمكاناتها الكبيرة .

تشجيع إنشاء المصارف الوطنية المساهمة : تقوم المصارف عادةً بدور أساسي في بناء الاقتصاد الوطني ، وعلى الأخص في القطاع الصناعي ، وحيث إن مصارف الدولة تكون مكبلة بالروتين والبيروقراطية ، والتي يصعب معها قيام تلك المصارف بمثل هذا الدور المهم ، لذا كان من الضروري تشجيع ودعم المصارف الوطنية الأهلية ، وإحدى طرق الدعم لهذه المصارف هو استثمار جزء من أموال الدولة فيها ، كان تستثمر أموال القاصرين وأموال الأوقاف وأموال التقاعد وغيرها فيها ، وكذلك مساهمة المصارف الحكومية بإيداع بعض أموالها ايضاً في تلك المصارف الأهلية . وحتى نبني جسور الثقة بين هذه المصارف الناشئة وبين المودعين ، فمن الممكن إنشاء شركات تامين وطنية إلى جانبها ، لتؤمن للمودعين أموالهم في حالة إفلاس أو خسارة هذه المصارف ، وتساهم الدولة في جزء من نفقات وأجور التامين ، كما تساهم ميزانية المحافظة في جزء آخر ، وفي نفس الوقت تسن قوانين صارمة استثنائية تعاقب المتلاعبين والنصابين الذين قد يستغلوا مثل هذه المؤسسات لسرقة الأموال ، وكما يحصل في الكثير من دول المنطقة .

 

تسهيل القروض المصرفية والاستيرادات الصناعية : إن جزء من التامين الذي يمكن أن تساهم الدولة في تمويله ينصب لتعويض المودعين في هذه المصارف عند إفلاس تلك المصارف ، بينما يكون الجزء الآخر من التامين هو لتعويض المصارف في حالة فشل مشروع صناعي أو تعثره ، وقد كان قد اقترض من تلك المصارف بعض المال ، ففي هذه الحالة تستطيع شركات التامين أن تعوض المصرف عن خسائره . ومثل هذا الإجراء سيشجع الناس على إيداع أموالها في المصارف من ناحية ، كما يشجع تلك المصارف لتقديم القروض للمشاريع الصناعية لما فيها من ضمانة لأموالها من ناحية ثانية ، كما ويدفع بالصناعات الوطنية بالنهوض والنمو نتيجة للدعم المادي المصرفي . وقد يكون من المفيد جداً مساهمة المحافظات والدولة ، بتسديد جزء من الأرباح عن بعض القروض الصناعية وكمنحة لتلك المشاريع ، كما يمكن أن تعفي المصارف من الضرائب المترتبة على القروض الصناعية .

أما الاستيرادات الصناعية من معدات وأجهزة أو مواد أولية لتلك المصانع الوطنية الناشئة ، فيمكن أن تكون معفاة من الضرائب الكمركية بشكل كامل ، وتعطى تسهيلات خاصة إضافية ، على أن تكون هناك لجان متخصصة فنية تدرس تلك الاستيرادات بشكل منطقي وعلمي ، حتى لا تسمح بالتلاعب والاستفادة من الثغرات القانونية . وكمثال على ذلك ولتوضيح الفكرة فان قانون الكمارك كان يفرض ضريبة كمركية تبلغ 180% على أجهزة التكييف الكبيرة المستوردة من الخارج والكاملة التصنيع ، أما الأجهزة الغير كاملة التصنيع والتي يفترض أن يتم تصنيع بعض أجزائها في الداخل فكانت تخضع إلى دفع  15% فقط من قيمتها كضريبة كمركية ، وقد استغل البعض مثل هذه الثغرة ، فاصبح يستورد أجهزة مفككة ويتم ربطها خلال سويعات ، ولا يدفع عنها غير 15% فقط .

هنالك الكثير من المصانع الأهلية التي تقوم بالاستفادة من تلك الثغرات القانونية ، فتكون الدولة قد خسرت الكثير من الضرائب ، بينما استفاد أناس لم يقدموا للصناعة الوطنية أي خدمة ولم يقوموا بإنتاج أي شيء مهم ، وكل ما فعلوه انهم قاموا بعملية نصب مستغلين تلك الثغرة القانونية .

 

إنشاء المصانع الكبرى من قبل شركات الدولة : من المؤكد إن إقامة المصانع الكبرى ذات الستراتيجية الكبيرة ، كمصانع البتروكيماويات والأسمدة والألمنيوم وغيرها يكون عسيراً على القطاع الخاص بإنشائها في الوقت الحاضر ، لما تحتاجه من راس مال كبير وتقنية عالية وخبرات مختلفة ، فيمكن والحالة هذه أن تقوم الدولة من القيام بإنشاء تلك المصانع ، ثم بيع أسهمها إلى القطاع الخاص بعد أن تبدأ العمل وتقوم بالإنتاج والأرباح . وقد يكون ممكناً ايضاً أن تباع تلك الأسهم بالتقسيط حتى يسهل شرائها من قبل القطاع الخاص ، كما يمكن أن توزع بعض الأسهم كجزء من التعويضات التي تدفعها الدولة لبعض المتضررين والتي تقرر الدولة تعويضهم ، كالأسرى الذين قضوا سنوات طويلة في الأسر ، أو عوائل الذين استشهدوا في الحروب أو غير ذلك . إن بيع مثل هذه المشاريع الكبيرة على القطاع الخاص سيوفر سيولة مالية لتلك الشركات الحكومية تمكنها من إنشاء مصانع جديدة يمكن نقل ملكيتها إلى القطاع الخاص من جديد ، وقد يكون من المستحسن عدم احتكار بيع الأسهم لقلة من الاشخاص شخص ، بل تباع على اكبر عدد ممكن من المواطنين حتى تعم الفائدة ، وتنتشر الرفاهية بين القطاع الأعظم من الناس ، وتنمي فكرة الشركات المساهمة .

 

البصرة مركز تجاري متميز في المستقبل

 

كانت البصرة واحدة من اشهر مدن التاريخ في تجارتها ولعصور طويلة (راجع البصرة القديمة الوضع التجاري) ، ولكي تستعيد المدينة مجدها التجاري الغابر ، فان هنالك خطوات يمكن اتباعها لتساعد على الإسراع في عودتها إلى سابق عهدها ، علماً بأنها ما زالت تمتلك الكثير من الأسس التي جعلتها المدينة التجارية الأولى في العالم في عصرها الذهبي .

 

الخطوات التي يمكن اتباعها في التحويل التجاري  

لعل أهم الخطوات التي يمكن اتخاذها لجعل البصرة مدينة التجارة في الشرق الأوسط هي ما يلي :

 

إنشاء المثلث التجاري الصناعي الحر : المقصود بهذا المثلث هو رقعة الأرض التي يمكن أن تضم مدينة الفاو وخور الزبير وأم قصر بين أضلاع ما يشبه المثلث . إن هذه القطعة من ارض الجنوب والتي تشبه المثلث ، يمكن تحويلها وكما يرى الباحث - إلى منطقة تجارية وصناعية حرة (راجع مشروع المثلث الصناعي التجاري الحر) .

هذه المنطقة الحرة لا بد وان تتمتع بتسهيلات إضافية عن تلك التسهيلات التي تقدم إلى القطاع الصناعي والتجاري المحلي . والتي ستستهوي الكثيرين من إقامة مشاريعهم الصناعية والتجارية فيها ، فبإضافة إلى التجار والصناعيين العراقيين في الداخل ، سيأتي عدد كبير من رجال الأعمال من المهاجرين العراقيين ، والذين قد يترددون في إقامة المشاريع  داخل العراق لعدم مرونة القوانين التجارية والصناعية المحلية في الوقت الحاضر ، كما سيأتيها عدد كبير من المستثمرين العرب والذين يبحثون عن أماكن آمنة لاستثماراتهم ، ومن المؤكد أن عدد كبير من المستثمرين العالميين ومن مختلف أنحاء العالم سيتنافسون على افتتاح مشاريعهم هناك بعد أن يتأكدوا من استقرار الوضع ونمو المنطقة تجارياً وصناعياً . ولعل أهم التسهيلات التي يمكن تقديمها ما يلي :

إيصال الخدمات الجيدة إلى المنطقة : يجب إيصال الخدمات التي يحتاجها أصحاب المشاريع في ذلك المثلث المذكور من إيصال الغاز والكهرباء والماء ، وطرق المواصلات والشوارع الداخلية في المنطقة ، واتصالها بشبكة المواصلات العراقية من سكك حديد وطرق سيارات ونقل مائي .

إعطاء التسهيلات للمستثمرين في المنطقة : من الواضح أن إعطاء التسهيلات الكافية في عمليات الدخول والإقامة والضرائب وعمليات دخول وخروج البضائع من تلك المنطقة واليها وتخصيص الأراضي اللازمة لإقامة المشاريع فيها سيساهم مساهمة كبيرة في إنجاحها .

الدعاية اللازمة : إن كل عمل تجاري يحتاج إلى الدعاية ، وحتى بائع الخضار تراه يعلن بأعلى صوته عن جودة الخضار عنده وانخفاض سعره ، لذا فان الدعاية تكون ضرورية لإنجاح هذه المنطقة الحرة .

تشجيع استثمارات المصارف والشركات العالمية : لعل استدعاء مثل هذه المؤسسات التجارية وتقديم الضمانات والتسهيلات اللازمة لها يكون عنصراً مهماً في إنجاح مثل هذه المنطقة الحرة ونموها السريع .

تسهيل الإجراءات الرسمية والضريبية على البضاعة : من البديهي إن البضاعة الداخلة إلى المنطقة الحرة لا تخضع للنظام الكمركي ، ولكن الذين يشترون تلك البضاعة ويقومون بإدخالها إلى العراق يجب أن يتمتعوا ببعض التخفيضات أو الإعفاءات الكمركية ، وتسهيل المعاملات الرسمية لهم حتى تنمو هذه المنطقة ويتحول التجار إلى الاعتماد عليها بدل أسواق الخليج التي يقصدونها لهذا الغرض ، وعلى الأخص تلك البضاعة التي يتم تصنيعها أو تصنيع أجزاء منها داخل تلك المنطقة الحرة . كما تتم التسهيلات الضرورة للمواد الأولية المنتجة داخل العراق للدخول إليها من دون عوائق كبيرة .

محاولة الربط بين التجارة والصناعة : تعطى تسهيلات إضافية كبعض المنح مثلاً للتجارة إلى الداخل أو الخارج للبضائع التي تصنع كلاً أو جزءً في تلك المنطقة ، إن نمو الأسواق التجارية وتفاعلها بالصناعات في المنطقة سيزيد من قوتها وقد تحتل المركز العالمي المناسب لها في فترة قياسية .

 

دعم الصناعات المحلية التي يمكن أن تصدرها إلى الخارج : هنالك الكثير من الصناعات المحلية التي يمكنها التنافس في الأسواق الأجنبية ، كالصناعات الغذائية والكثير من الصناعات المتفرقة الأخرى . إن تصدير الفائض من إنتاج مثل هذه الصناعات سينشط التجارة كثيراً (تجارة التصدير) .